Bookmark article
Publié le Dimanche 15 Mars 2026 - 13:46
قراءة: 3 د, 6 ث
نورالدين بن منصور
الكذب كظاهرة إنسانية
الإنسان هو الكائن الحي الوحيد القادر على الكذب. فالكذب ظاهرة ثقافية بالغة التعقيد، لا يمكن أن تحدث إلا في ظل ظروف وأوضاع معينة. ويقوم أساسه على التواصل والقدرة على فهم وجهة نظر الآخر والتعاطف معه. فكل معلومة قد تحمل في ذاتها احتمالًا للخداع، وبالتالي تعتمد بالضرورة على ثقة الآخرين.
ويُقال أيضًا إن الصدق في العلاقات الشخصية يستلزم إمكانية الكذب، إذ يكتسب الصدق والثقة معناهما من خلال هذا الاحتمال. فلا يخلو أي مجتمع، مهما بلغ مستوى تحضره، من الكذب. غير أن الاعتراف بحتميته لا يعني الاستسلام له، بل يستوجب تقبّله مع السعي إلى فهم الذات بصدق أكبر.
السياسة والكذب
في التقاليد السياسية، قد لا تكون هناك سياسة قائمة على الحقيقة المجردة. فهذه فكرة طوباوية لم تتحقق حتى في زمن الأنبياء. ويُستدعى في هذا السياق تصور أفلاطون للمدينة المثالية، حيث يسترشد الفلاسفة بحقيقة اللوغوس بعيدًا عن نزعات الكذب. ورغم إدانة الأديان للكذب، فقد ظل أداة للقوة والحماية وسلاحًا في مواجهة الخصوم.
إن الكذب جزء من الطبيعة البشرية، وظاهرة عابرة للثقافات والعصور، لعبت دورًا في تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية. ومن دون إصدار أحكام أخلاقية مسبقة، يصبح من الضروري مراقبة هذه العلاقات بوعي أكبر لفهم دوافعها ومساراتها. فالكذب قد يكون ضارًا، لكن الحقيقة قد تكون كذلك في بعض الأحيان، ما يطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بينهما.
تصرف السياسيين
يتعين على السياسيين اليوم التصرف بمسؤولية وضمير حي، لأن الكذب لا يحقق مكاسب دائمة، والحقيقة سرعان ما تنكشف. فالتاريخ تحكمه قوانين لا يمكن تجاوزها، ويظل الإنسان جزءًا من منظومة أوسع تتأثر بقواعدها.
إن ترسيخ ثقافة الصدق، خاصة خلال الحملات الانتخابية، يشكل ضرورة ملحّة. كما أن كشف الأكاذيب وآثارها السلبية يظل عنصرًا أساسيًا في حماية الحياة السياسية. فانتشار الكذب مرتبط بوجود من يصدّقه، ويظل المواطن في نهاية المطاف الحلقة الحاسمة في هذه المعادلة.
ترامب والكذب
تكشف استطلاعات الرأي عن تزايد انعدام الثقة بالمعلومات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي. ويشترط ظهور الكذبة وجود طرفين: من يطلقها ومن يقبل تصديقها. ومع ارتفاع الوعي بالتضليل الإعلامي، قد يتراجع إغراء تجاهل الحقيقة لدى السياسيين، ليفسح المجال أمام نهج نقدي جديد في التعامل مع المعلومات.
من هو سيد الأكاذيب
أكثر من 22 ألف تصريح مضلل أو كاذب سُجلت خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، وفق قواعد بيانات التحقق من الحقائق في الولايات المتحدة. وقد وثّقت مؤسسات إعلامية، من بينها صحيفة واشنطن بوست، تصاعد هذه التصريحات بين عامي 2016 و2020، نتيجة إصرار الرئيس على تكرار ادعاءات غير مثبتة.
ومن بين أبرز هذه الادعاءات، وعود متكررة بإنجاز الجدار الحدودي مع المكسيك، والتأكيد على إعادة بناء الجيش الأمريكي بالكامل، فضلًا عن إعلان إنشاء “أنجح اقتصاد في التاريخ”، وهي مزاعم اعتُبرت غير قابلة للإثبات، خاصة في ظل تداعيات جائحة كورونا.
ترامب وجائحة كورونا
خلال أشهر الأزمة الصحية العالمية، أثارت تصريحات ترامب بشأن فيروس كورونا ارتباكًا لدى الخبراء والرأي العام. وقد اعتبرته بعض الدراسات “محرّكًا” رئيسيًا لنشر الأخبار المضللة ونظريات المؤامرة، لا سيما عبر ترويجه المتكرر لمزاعم مرتبطة بحركة “كيو أنون”.
جوائز سلبية وتصنيفات
حصلت تصريحات ترامب على تصنيفات سلبية عدة من مؤسسات تدقيق الحقائق، حيث مُنحت جائزة “كذبة العام” في أكثر من مناسبة. كما صُنّفت مئات تصريحاته بين كاذبة أو مضللة بدرجات متفاوتة، مقابل عدد محدود من التصريحات الدقيقة.
ادعاءات حول أوروبا والأصول
شملت الادعاءات المثيرة للجدل تصريحات حول أحداث مزعومة في أوروبا، وتلميحات إلى مؤامرات داخلية، فضلًا عن معلومات غير دقيقة بشأن أصول عائلته. وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة، سواء في الداخل الأمريكي أو على المستوى الدولي.
الانتخابات والحرب
بلغت مزاعم تزوير الانتخابات ذروتها بعد الاستحقاق الرئاسي، ما أثار جدلًا واسعًا حول تداعياتها السياسية والقانونية. كما أثارت تصريحات متناقضة بشأن الحرب ضد إيران، مقارنة بمواقف البنتاغون، ارتباكًا في الأسواق المالية، انعكس على أسعار النفط وأسواق الأسهم.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية العلاقة بين الخطاب السياسي والحقيقة، حيث يتقاطع الرأي العام مع تداعيات التصريحات الرسمية، في مشهد يعكس تعقيدات عصر المعلومات والتأثير المتبادل بين السياسة والإعلام.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 325494