فيتش تندّد بكارتال وكلاء السيارات في تونس
مختار العماري
يجب إعادة قراءة تقرير “Tunisia Autos Report – 30 March 2026” الصادر عن Fitch Solutions (BMI) بهدوء، لفهم إلى أي حد نجحت تونس في تحقيق إنجاز صامت: تحويل السيارة، التي كانت يومًا رمزًا للحداثة، إلى منتج فاخر مُدار، مُصفّى، مُقنّن… ومُحصّن لفائدة أقلية.
الأرقام موجودة، أنيقة، شبه بريئة: 75,620 سيارة بيعت سنة 2026 بزيادة 2%. للوهلة الأولى يبدو ذلك انتعاشًا. لكن عند التمعّن، هو ركود مُقنّع. تنفّس اصطناعي. اقتصاد على أجهزة الإنعاش يحتفل بكل حركة طفيفة وكأنها نصر استراتيجي.
ففي النهاية، 75 ألف سيارة لأكثر من 12 مليون ساكن لا تصف سوقًا، بل تصف ندرة مُنظّمة.
وكما هو الحال دائمًا في الندرة المنظمة، هناك رابحون. وهم معروفون.
أولًا: البنوك. نعم، البنوك التونسية… كاهنات القروض النادرة، ذات الفوائد المرتفعة والرفض الأنيق. التقرير يشير بخجل إلى نسبة فائدة رئيسية في حدود 7.5%. الترجمة: الاقتراض بنسبة 13% لشراء سيارة أشبه برحلة شاقة. ملف، ضمانات، مساهمة ذاتية… وصبر. كثير من الصبر.
أصبح القرض لشراء سيارة امتيازًا. وككل امتياز، إما أن تُثبت أنك تستحقه… أو تتحايل عليه. السوق الموازية تدور في هذا الفراغ الهائل لقواعد المنافسة والشفافية.
أما البنوك فقد وجدت المعادلة المثالية: إقراض قليل، بكلفة مرتفعة، لمن لا يحتاج فعلًا إلى القرض. المخاطر محدودة، الأرباح مضمونة، والاقتصاد الحقيقي… متروك على قارعة الطريق.
التقرير واضح: الطلب مكبوح بسبب ضعف قدرة الأسر على تمويل السلع المعمرة. بمعنى آخر، التونسيون غير مؤهلين للحصول على قروض… أو بالأحرى غير مؤهلين وفق معايير نظام مصرفي يفضّل التمويل القصير الآمن على الاستثمار الطويل المنتج.
النتيجة: من بين حوالي 4 ملايين أسرة، فقط 100 ألف يمكنها شراء سيارة جديدة دون التداين لعشر سنوات. والبقية؟ يمدّدون عمر سياراتهم، يصلّحون، يتدبّرون… أو يتخلّون.
لكن لا بأس: هذا ليس مشكلًا… بل “تعديل”.
ثم هناك الدولة. دورها؟ تنظيم السوق. وهي تقوم بذلك جيدًا… بطريقتها الخاصة. نظام حصص التوريد، الذي يفترض أنه يحمي الاقتصاد، أفرز نتيجة جانبية واضحة: تكوين احتكار محدود لوكلاء السيارات.
نادي صغير، مغلق، منضبط وفعّال. يتحكم في العرض، يحدد الأسعار، يدير آجال التسليم… ويموّل المشهد الإعلامي عبر الإعلانات.
فالسيارات في تونس ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل أيضًا أداة نفوذ. عندما تموّل وسائل الإعلام، فأنت لا تبيع سيارات فقط… بل تشتري الصمت، المجاملة، وأحيانًا الحماس التحريري.
وفي هذا الصمت، من سيقول إن السيارة “الاقتصادية” أصبحت باهظة؟ من سيشرح أن النماذج أصغر وأبسط… لكنها ليست أرخص؟
لا أحد. أو تقريبًا.
التقرير يشير إلى أن السوق تهيمن عليه السيارات الصغيرة. وهي طريقة مهذبة للقول إن التونسيين يقودون سيارات محدودة… بسبب ضعف القدرة الشرائية. التقشف ليس خيارًا بيئيًا، بل ضرورة اقتصادية.
وماذا عن الصناعة؟ أي صناعة؟
الإنتاج المحلي لا يتجاوز 600 سيارة سنويًا. رقم هامشي. ذكرى. حنين.
نتذكر حينها تجربة STIA، عندما كان التصنيع ممكنًا، والسيارة متاحة، والقرض وسيلة للتمكين لا للإقصاء.
اليوم، الإنتاج غير مجدٍ. التوريد أسهل. التوزيع أكثر ربحًا. والتفكير الصناعي… ترف زائد.
المقارنة مع المغرب، كما ألمح التقرير، قاسية. هناك تصنيع وتصدير وجذب للاستثمارات. هنا، توريد بالحصص ونقاش حول آجال التسليم.
نفس كلفة العمل… لكن ليس نفس الطموح.
وفي هذا الفراغ، توجد المؤسسات: الشركات الصغرى، الحرفيون، الفلاحون… الذين يحتاجون سيارات للعمل.
التقرير يشير إلى بيع 15,417 مركبة تجارية في 2026. رقم ضعيف. ضعيف جدًا. غير كافٍ لاقتصاد يريد النمو.
فبدون نقل، لا إنتاج. بدون لوجستيك، لا تنافسية. وبدون سيارات ميسورة، ترتفع التكاليف.
لكن… كل شيء “بخير”.
السوق يستمر بفضل شركات الكراء، وسيارات الدولة، والسياحة.
في تونس اليوم، من الأسهل لسائح أن يكتري سيارة (20 يورو في اليوم) من أن يشتريها مواطن.
إنه نموذج اقتصادي: أسطول سيارات لخدمة 12 مليون سائح… لا 12 مليون مواطن.
أما المستقبل؟ كهربائي طبعًا.
التقرير يتحدث عن 1,920 سيارة كهربائية في 2026 مع آفاق إلى 2030.
نصدّق… أو نتظاهر بذلك.
في بلد يصعب فيه امتلاك سيارة عادية، الحديث عن الانتقال إلى الكهربائية يبدو تفاؤلًا… رسميًا.
فما الذي تبقى؟
سوق مغلق. بنوك حذرة حدّ الاختناق. دولة تنظّم الندرة. وكلاء مزدهرون. إعلام مستفيد. وشعب… يمشي على قدميه.
الخلاصة لم تعد صادمة. بل منطقية: عندما تصبح السيارة بعيدة المنال، نعود إلى الوسائل البدائية.
الجمل. الحمار. العربة. أو المشي لمسافات طويلة… مع التأخر عن العمل.
هناك على الأقل، لا حاجة لقرض. لا حصص توريد. لا فائدة بنكية.
ربما لم تفشل تونس في الانتقال نحو السيارات… بل عكسته.
وبهذا النسق، قد لا يكون بعيدًا أول عقد “ليزينغ” لجمل مرتبط بنسبة الفائدة.
ترجمة للنص الأصلي:
Fitch dénonce le cartel de concessionnaires de voitures en Tunisie
يجب إعادة قراءة تقرير “Tunisia Autos Report – 30 March 2026” الصادر عن Fitch Solutions (BMI) بهدوء، لفهم إلى أي حد نجحت تونس في تحقيق إنجاز صامت: تحويل السيارة، التي كانت يومًا رمزًا للحداثة، إلى منتج فاخر مُدار، مُصفّى، مُقنّن… ومُحصّن لفائدة أقلية.
الأرقام موجودة، أنيقة، شبه بريئة: 75,620 سيارة بيعت سنة 2026 بزيادة 2%. للوهلة الأولى يبدو ذلك انتعاشًا. لكن عند التمعّن، هو ركود مُقنّع. تنفّس اصطناعي. اقتصاد على أجهزة الإنعاش يحتفل بكل حركة طفيفة وكأنها نصر استراتيجي.
ففي النهاية، 75 ألف سيارة لأكثر من 12 مليون ساكن لا تصف سوقًا، بل تصف ندرة مُنظّمة.
وكما هو الحال دائمًا في الندرة المنظمة، هناك رابحون. وهم معروفون.
أولًا: البنوك. نعم، البنوك التونسية… كاهنات القروض النادرة، ذات الفوائد المرتفعة والرفض الأنيق. التقرير يشير بخجل إلى نسبة فائدة رئيسية في حدود 7.5%. الترجمة: الاقتراض بنسبة 13% لشراء سيارة أشبه برحلة شاقة. ملف، ضمانات، مساهمة ذاتية… وصبر. كثير من الصبر.
أصبح القرض لشراء سيارة امتيازًا. وككل امتياز، إما أن تُثبت أنك تستحقه… أو تتحايل عليه. السوق الموازية تدور في هذا الفراغ الهائل لقواعد المنافسة والشفافية.
أما البنوك فقد وجدت المعادلة المثالية: إقراض قليل، بكلفة مرتفعة، لمن لا يحتاج فعلًا إلى القرض. المخاطر محدودة، الأرباح مضمونة، والاقتصاد الحقيقي… متروك على قارعة الطريق.
التقرير واضح: الطلب مكبوح بسبب ضعف قدرة الأسر على تمويل السلع المعمرة. بمعنى آخر، التونسيون غير مؤهلين للحصول على قروض… أو بالأحرى غير مؤهلين وفق معايير نظام مصرفي يفضّل التمويل القصير الآمن على الاستثمار الطويل المنتج.
النتيجة: من بين حوالي 4 ملايين أسرة، فقط 100 ألف يمكنها شراء سيارة جديدة دون التداين لعشر سنوات. والبقية؟ يمدّدون عمر سياراتهم، يصلّحون، يتدبّرون… أو يتخلّون.
لكن لا بأس: هذا ليس مشكلًا… بل “تعديل”.
ثم هناك الدولة. دورها؟ تنظيم السوق. وهي تقوم بذلك جيدًا… بطريقتها الخاصة. نظام حصص التوريد، الذي يفترض أنه يحمي الاقتصاد، أفرز نتيجة جانبية واضحة: تكوين احتكار محدود لوكلاء السيارات.
نادي صغير، مغلق، منضبط وفعّال. يتحكم في العرض، يحدد الأسعار، يدير آجال التسليم… ويموّل المشهد الإعلامي عبر الإعلانات.
فالسيارات في تونس ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل أيضًا أداة نفوذ. عندما تموّل وسائل الإعلام، فأنت لا تبيع سيارات فقط… بل تشتري الصمت، المجاملة، وأحيانًا الحماس التحريري.
وفي هذا الصمت، من سيقول إن السيارة “الاقتصادية” أصبحت باهظة؟ من سيشرح أن النماذج أصغر وأبسط… لكنها ليست أرخص؟
لا أحد. أو تقريبًا.
التقرير يشير إلى أن السوق تهيمن عليه السيارات الصغيرة. وهي طريقة مهذبة للقول إن التونسيين يقودون سيارات محدودة… بسبب ضعف القدرة الشرائية. التقشف ليس خيارًا بيئيًا، بل ضرورة اقتصادية.
وماذا عن الصناعة؟ أي صناعة؟
الإنتاج المحلي لا يتجاوز 600 سيارة سنويًا. رقم هامشي. ذكرى. حنين.
نتذكر حينها تجربة STIA، عندما كان التصنيع ممكنًا، والسيارة متاحة، والقرض وسيلة للتمكين لا للإقصاء.
اليوم، الإنتاج غير مجدٍ. التوريد أسهل. التوزيع أكثر ربحًا. والتفكير الصناعي… ترف زائد.
المقارنة مع المغرب، كما ألمح التقرير، قاسية. هناك تصنيع وتصدير وجذب للاستثمارات. هنا، توريد بالحصص ونقاش حول آجال التسليم.
نفس كلفة العمل… لكن ليس نفس الطموح.
وفي هذا الفراغ، توجد المؤسسات: الشركات الصغرى، الحرفيون، الفلاحون… الذين يحتاجون سيارات للعمل.
التقرير يشير إلى بيع 15,417 مركبة تجارية في 2026. رقم ضعيف. ضعيف جدًا. غير كافٍ لاقتصاد يريد النمو.
فبدون نقل، لا إنتاج. بدون لوجستيك، لا تنافسية. وبدون سيارات ميسورة، ترتفع التكاليف.
لكن… كل شيء “بخير”.
السوق يستمر بفضل شركات الكراء، وسيارات الدولة، والسياحة.
في تونس اليوم، من الأسهل لسائح أن يكتري سيارة (20 يورو في اليوم) من أن يشتريها مواطن.
إنه نموذج اقتصادي: أسطول سيارات لخدمة 12 مليون سائح… لا 12 مليون مواطن.
أما المستقبل؟ كهربائي طبعًا.
التقرير يتحدث عن 1,920 سيارة كهربائية في 2026 مع آفاق إلى 2030.
نصدّق… أو نتظاهر بذلك.
في بلد يصعب فيه امتلاك سيارة عادية، الحديث عن الانتقال إلى الكهربائية يبدو تفاؤلًا… رسميًا.
فما الذي تبقى؟
سوق مغلق. بنوك حذرة حدّ الاختناق. دولة تنظّم الندرة. وكلاء مزدهرون. إعلام مستفيد. وشعب… يمشي على قدميه.
الخلاصة لم تعد صادمة. بل منطقية: عندما تصبح السيارة بعيدة المنال، نعود إلى الوسائل البدائية.
الجمل. الحمار. العربة. أو المشي لمسافات طويلة… مع التأخر عن العمل.
هناك على الأقل، لا حاجة لقرض. لا حصص توريد. لا فائدة بنكية.
ربما لم تفشل تونس في الانتقال نحو السيارات… بل عكسته.
وبهذا النسق، قد لا يكون بعيدًا أول عقد “ليزينغ” لجمل مرتبط بنسبة الفائدة.
ترجمة للنص الأصلي:
Fitch dénonce le cartel de concessionnaires de voitures en Tunisie






Comments
1 de 1 commentaires pour l'article 326499