دار الدوْلاتلي بالمدينة العتيقة بتونس… من مركز للسلطة والنفوذ والجاه إلى مقر للرشيدية وحاضنة للتراث الموسيقي التونسي
(وات/الأسعد محمودي) - في أحد الأزقة العتيقة المتفرعة عن نهج سيدي بن عروس بالقرب من ساحة القصبة في المدينة العتيقة بتونس، وتحديدا في نهج الدريبة، يتجذّر قصر عريق يحمل بين جدرانه قرونا من التاريخ السياسي والعمراني للبلاد. إنه "دار الدوْلاتلي" أحد أبرز القصور التي شُيّدت خلال الحقبة العثمانية المرادية (21574 – 170)، والتي تحولت منذ سنة 1934 إلى مقر لجمعية المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية أو ما يعرف اختصارا باسم "الرشيدية" وهي مؤسسة عريقة تضطلع بحفظ التراث الموسيقي التونسي الأصيل وصونه.
ويختزل هذا المبنى في فضاءاته المتعددة مسارا طويلا من التحولات، إذ كان في زمن مضى مركزا للسلطة والقضاء والأمن داخل مدينة تونس العتيقة قبل أن يتحول لاحقا إلى فضاء للثقافة والفن وتدرّسُ فيه موسيقى المالوف والطبوع التونسية وتقام فيع عروض خلال السنة وخاصة في شهر رمضان المعظم، حيث يستضيف جلّ سهرات مهرجان "ترنيمات" الذي تنظمه جمعية المعهد الرشيدي.
"الدولاتلي" وأصل التسمية
يرتبط اسم الدار بلقب "الدوْلاتلي" وهو لقب كان يطلق على الداي أحد كبار المسؤولين في الدولة خلال الفترة الأولى من الحكم العثماني في تونس. ويشير الباحث والمؤرخ الدكتور عبد العزيز الدولاتلي (رئيس الجمعية التونسية المواقع والمعالم) إلى أن هذا اللقب يعكس طبيعة الوظيفة التي كان يشغلها صاحبها داخل المدينة.
يتحدّث الدكتور عبد العزيز الدولاتلي إلى وكالة تونس افريقيا للأنباء عن أصل تسمية "الدوْلاتلي"، قائلا إن هذا اللقب "دولاتلي" هو في الأصل لقب داي تونس أي الحاكم الذي كان يتولى شؤون البلاد في مراحل من العهد التركي، خاصة في فترة يوسف داي وعثمان داي، غير أنها تعود إلى اللقب الذي كان يحمله "الداي" وهو منصب ارتبط بإدارة شؤون المدينة وأمنها.
ويشير إلى أن المؤرخ محمد الصغير بن يوسف ذكر في كتابه "المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي" أن هذا اللقب استُعمل للدلالة على الداي، مرجّحا أنه استمر إلى حدود منتصف القرن 19. وبيّن أن هذه التسمية ذات أصل تركي لكنها ترتبط بجذر عربي هو "لدولة"، موضحا أن لقب "دوْلاتلي" كان يطلق كذلك على الخليفة العثماني بمعنى "صاحب الدولة"، كما ظل استعمال كلمة "دولة" إلى اليوم في بعض البلدان العربية كلقب تشريفي لكبار المسؤولين.
أما بالنسبة إلى لقب "الداي"، فيوضح الباحث أنه يعني في اللغة التركية "الخال" ولم يكتسب دلالته السياسية إلا في بلدان المغرب وخاصة في تونس والجزائر، حيث ارتبط بفكرة الرعاية والحماية والكفالة قبل أن يتحول إلى منصب إداري يتولى الإشراف على أمن المدينة. وفي هذا السياق، توقف المؤرخ الدولاتلي في حديثه مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء عند شخصية أبي العباس أحمد آغا (الملقب بالدولاتلي) الذي يعد أحد أجداده، مشيرا إلى أنه قدم إلى تونس مرورا بطرابلس وأن أصوله تعود إلى الأناضول. وكان من كبار القادة العسكريين في تونس خلال فترة حساسة من تاريخ البلاد، خاصة عند اندلاع ثورة 1816 في تونس التي قادها بعض الجنود الأتراك في محاولة لانتزاع الحكم من البايات الحسينيين.
وأضاف أن أحمد آغا كان له دور بارز في إفشال تلك المحاولة بعد أن هُزم قائدها دالي باشا ما مكّن من إعادة السلطة إلى الباي. وعلى إثر ذلك قلّده محمود باي في اليوم ذاته منصب "باش حانبة" قبل أن يتم تعيينه لاحقا دايا على مدينة تونس. وأشار الدولاتلي إلى أن منصب "الداي – الدولاتلي" اكتسب خلال العهد الحسيني أهمية خاصة، إذ أصبح من أبرز المسؤولين عن الأمن في المدينة حيث كان يشرف في مطلع القرن 19 على نحو 50 "حانبة" و55 "قبطجي" وهم من عناصر القوة الأمنية آنذاك.
ويوضح أن هذه الوظيفة عرفت لاحقا تقلصا في صلاحياتها لتصبح أقرب إلى منصب محافظ المدينة والمشرف على أمنها. وقد كان الداي، وفق هذا الدور، مسؤولا عن الإشراف على شرطة المدينة والنظر في النوازل وإصدار الأحكام ما جعل مقره يجمع بين وظائف السكن والإدارة والقضاء في آن واحد. ولهذا السبب كان مقر الدولاتلي في المدينة العتيقة عبارة عن مجمع معماري متكامل يعرف بـ "دريبة الدولاتلي". ويقع هذا المجمع في نهج سيدي بن عروس، وهو يتألف من قسمين أساسيين هما "السرايا" أي القصر الذي كان يقيم فيه الدولاتلي، و"الدريبة" التي كانت تضم المحكمة والسجن. وبذلك جمع هذا المكان بين السكن وممارسة السلطة داخل المدينة ومرافق العدالة والاحتجاز.
موقع استراتيجي بالقرب من دائرة الحكم
ويؤكد الباحث الفرنسي المتخصص في العمارة "جاك ريفو" في كتابه المرجعي "Palais et demeures de Tunis XVIIIe et XIXe siècles" (قصور وديار مدينة تونس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) الصادر سنة 1971، في دراسته حول القصور التونسية أن الاسم الذي احتفظ به القصر يدل بوضوح على أنه كان مقر إقامة شخصية تركية بارزة في العاصمة. ويشير "ريفو" إلى أن الدولاتلي كان في الأصل يشغل منصب الداي أي الحاكم العسكري الذي تقلصت صلاحياته تدريجيا عبر الزمن لتقتصر أساسا على الإشراف على مدينة تونس.
ويرجح الباحث الفرنسي أن القصر شُيّد في منتصف القرن 17 حين خصصت "دريبة" مرتبطة بقصر خاص في نهج سيدي بن عروس لمقر هذا المسؤول الذي كان مكلفا أساسا بحماية المدينة العتيقة والإشراف على أمنها. ولم يكن اختيار موقع القصر اعتباطيا، إذ بُني في منطقة مرتفعة نسبيا من المدينة العتيقة وعلى مقربة من القصبة التي كانت تمثل مركز الحكم في تونس.
ويبيّن "ريفو" أن هذه المنطقة كانت منذ زمن بعيد فضاء مفضلا لإقامة المؤسسات السياسية والدينية الكبرى، وهو ما يفسر وجود أهم معالم المدينة في محيطها مثل الجامع الأعظم وهي الصفة التي تطلق على جامع الزيتونة المعمور. كما كانت المنطقة نفسها مركزا للحياة الاقتصادية والحرفية حيث تنتشر الأسواق التقليدية التي كانت تشكل القلب النابض للنشاط التجاري في العاصمة.
وقد مثّل نهج سيدي بن عروس في تلك الفترة أحد شوارع الأرستقراطية في تونس، إذ كانت تصطف على جانبيْه قصور كبار رجال الدولة والضباط الأتراك والعلماء ورجال الدين. ويشير الدكتور عبد العزيز الدولاتلي، وهو الذي اشتغل كثيرا على معالم مدينة تونس العتيقة وأبوابها، إلى أن معظم هذه القصور شُيّدت خلال القرن 17 في عهد البايات المراديين حين شهدت المدينة العتيقة توسعا عمرانيا ملحوظا، مضيفا في هذا السياق أن دار الدولاتلي كانت تمثل بداية حي سكني جديد خاص بالنخب السياسية والاجتماعية في العاصمة.
الطراز المعماري
ويبرز القصر منذ مدخله الأول بعناصر معمارية توحي بأهميته السياسية في ذلك الزمن. فقد وصف "جاك ريفو" المدخل الرئيسي بأنه "بوابة ضخمة مؤطرة بالحجارة تعلوها قنطرة تعبر الشارع مرتكزة على أعمدة قوية تحمل أقواسا مرتفعة". وكانت هذه البوابة تغلق مدخلا خاصا يقود إلى "الدريبة" وهي زقاق شبه خاص يؤدي إلى القصر وإلى مقر المحكمة والسجن. كما كان هذا الممر محميا بباب ثقيل في الجهة المقابلة، في إشارة إلى الطابع الأمني للمكان (يجمع بين وظائف السكن والحكم والاحتجاز).
أما القسم السكني من القصر المعروف بالسرايا، فقد شُيّد وفق النمط التقليدي للقصور التونسية. ويبدأ الفضاء بمدخل منكسر يعرف بالسقيفة، يؤدي إلى فناء داخلي واسع تحيط به أروقة تقوم على أعمدة رخامية. ويُعد هذا الفناء قلب الدار ومركز توزيع الغرف والمرافق. ويتميز الفناء في دار الدولاتلي بوجود ثلاثة أروقة فقط، بينما يتألف الضلع الرابع من واجهة حجرية متقنة البناء وهو تصميم يميّز عددا من القصور التونسية التي تعود إلى الفترة نفسها.
ويغلب على مواد بناء هذا القصر، الحجر الكلسي والرخام حيث استخدم الرخام في الأعمدة وإطارات الأبواب والنوافذ في القاعات الرئيسية. كما تتميز تيجان الأعمدة بتنوعها، إذ توجد بينها نماذج ذات طابع أندلسي مغاربي إلى جانب تيجان متأثرة بالفن الإيطالي. ويعكس هذا التنوع المعماري التلاقح الثقافي والحضاري المتوسطي الذي طبع العمارة التونسية في العهد العثماني.
ورغم طابع البناء الذي يكسوه استعمال الحجر والرخام، فإن القصر لا يخلو من عناصر زخرفية تضفي عليه قدرا من البهاء والجمال. فقد زُينت بعض جدرانه ببلاطات خزفية من صناعة "القلالين" بألوان زاهية كما تنتشر في فضاءاته أقواس منكسرة وزخارف ذات تأثير تركي واضح المعالم.
ويضم القصر كذلك قاعة استقبال فخمة كانت تستخدم لاستقبال الضيوف وعقد المجالس الرسمية. وقد صُممت هذه القاعة وفق المخطط التقليدي المعروف في البيوت التونسية حيث يتوسطها فضاء رئيسي تحيط به محاريب جانبية مخصصة للجلوس. وكانت هذه القاعة مزينة في الأصل بزخارف جصية وخزفية وسقوف مدهونة، غير أن كثيرا من هذه العناصر اختفى مع مرور الزمن، وفق الدكتور عبد العزيز الدولاتلي.
وإلى جانب فضاءات السكن والاستقبال، كان القصر يضم مرافق أخرى مرتبطة بالحياة اليومية مثل المطبخ والمخازن والحمام، إلى جانب بئر وصهريج لتجميع المياه. كما كانت هناك مرافق خاصة بالخدم وهو ما يعكس حجم القصر ومكانة ساكنيه داخل المجتمع. غير أن الجانب الأكثر خصوصية في دار الدولاتلي، بحسب ما لاحظ "جاك ريفو"، يتمثل في الدريبة التي كانت تضم المحكمة والسجن. وقد بُنيت الزنزانات في الطابق السفلي حيث كانت تتوزع حول ممرات ضيقة ذات سقوف مقببة (قبّة) تسمح بدخول قليل من الضوء والهواء. أما في الطابق العلوي فكانت توجد قاعة العدالة التي يعقد فيها الدولاتلي جلسات الحكم.
من مقر للحكم إلى فضاء للثقافة
ويشير الباحث الفرنسي إلى أن تصميم هذه القاعة يسمح بربط مباشر بين فضاء المحكمة والسجن، إذ كان السجناء يُقادون من الزنزانات عبر ممر خاص إلى الفناء الداخلي قبل مثولهم أمام المحكمة، مضيفا أن القاعة قد صُمّمت "بحيث يجلس الدولاتلي في موضع مرتفع داخل فضاء مطل على الفناء وهو ما يمنحه موقعا رمزيا يعكس سلطة القضاء والحكم". ويرسم "جاك ريفو" في مؤلفه صورة تصف ما كانت عليه تلك الجلسات حيث كان الدولاتلي يجلس في القاعة محاطا بالزخارف الخزفية، بينما يُقاد المتهمون أمامه للحكم في قضاياهم. ومن نوافذ القاعة كان يتسنى له مشاهدة أجزاء من المدينة العتيقة ومآذنها.
ومع مرور الزمن وتغير أنظمة الحكم فقد القصر وظيفته السياسية والقضائية، وأصبح هذا المبنى مع بداية القرن 20 يعرف تحولات جديدة في وظائفه، إلى أن أصبح منذ الستينات المقر الرئيسي لجمعية الرشيدية (زمن مصطفى الكعاك ثاني رئيس للرشيدية 1941-1965) التي تأسست سنة 1934 للحفاظ على الموسيقى التونسية التقليدية وتوثيقها. ومنذ ذلك الحين تحولت دار الدولاتلي من مقر للحكم والعدالة في العهد العثماني إلى فضاء ثقافي يحتضن ذاكرة الموسيقى التونسية وتقام في رحابه الأنشطة الفنية والبحثية المرتبطة بالتراث وعروض الموسيقى التونسية الأصيلة. وقد تمّ تصنيف الدار معلما تاريخيا يوم 19 أكتوبر سنة 1992 وخضعت أواخر التسعينات إلى أشغال تهيئة وترميم كما ستخضع وفق الرئيس الحالي لجمعية المعهد الرشيدي، أنيس الصغير، إلى عمليات ترميم أخرى بهدف الحفاظ على أصالة معمارها ورونقها، ولتظل أحد قصور تونس التاريخية الشاهدة على عراقة بلادنا وثراء مخزونها التراثي.
ويختزل هذا المبنى في فضاءاته المتعددة مسارا طويلا من التحولات، إذ كان في زمن مضى مركزا للسلطة والقضاء والأمن داخل مدينة تونس العتيقة قبل أن يتحول لاحقا إلى فضاء للثقافة والفن وتدرّسُ فيه موسيقى المالوف والطبوع التونسية وتقام فيع عروض خلال السنة وخاصة في شهر رمضان المعظم، حيث يستضيف جلّ سهرات مهرجان "ترنيمات" الذي تنظمه جمعية المعهد الرشيدي.
"الدولاتلي" وأصل التسمية
يرتبط اسم الدار بلقب "الدوْلاتلي" وهو لقب كان يطلق على الداي أحد كبار المسؤولين في الدولة خلال الفترة الأولى من الحكم العثماني في تونس. ويشير الباحث والمؤرخ الدكتور عبد العزيز الدولاتلي (رئيس الجمعية التونسية المواقع والمعالم) إلى أن هذا اللقب يعكس طبيعة الوظيفة التي كان يشغلها صاحبها داخل المدينة.يتحدّث الدكتور عبد العزيز الدولاتلي إلى وكالة تونس افريقيا للأنباء عن أصل تسمية "الدوْلاتلي"، قائلا إن هذا اللقب "دولاتلي" هو في الأصل لقب داي تونس أي الحاكم الذي كان يتولى شؤون البلاد في مراحل من العهد التركي، خاصة في فترة يوسف داي وعثمان داي، غير أنها تعود إلى اللقب الذي كان يحمله "الداي" وهو منصب ارتبط بإدارة شؤون المدينة وأمنها.
ويشير إلى أن المؤرخ محمد الصغير بن يوسف ذكر في كتابه "المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي" أن هذا اللقب استُعمل للدلالة على الداي، مرجّحا أنه استمر إلى حدود منتصف القرن 19. وبيّن أن هذه التسمية ذات أصل تركي لكنها ترتبط بجذر عربي هو "لدولة"، موضحا أن لقب "دوْلاتلي" كان يطلق كذلك على الخليفة العثماني بمعنى "صاحب الدولة"، كما ظل استعمال كلمة "دولة" إلى اليوم في بعض البلدان العربية كلقب تشريفي لكبار المسؤولين.
أما بالنسبة إلى لقب "الداي"، فيوضح الباحث أنه يعني في اللغة التركية "الخال" ولم يكتسب دلالته السياسية إلا في بلدان المغرب وخاصة في تونس والجزائر، حيث ارتبط بفكرة الرعاية والحماية والكفالة قبل أن يتحول إلى منصب إداري يتولى الإشراف على أمن المدينة. وفي هذا السياق، توقف المؤرخ الدولاتلي في حديثه مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء عند شخصية أبي العباس أحمد آغا (الملقب بالدولاتلي) الذي يعد أحد أجداده، مشيرا إلى أنه قدم إلى تونس مرورا بطرابلس وأن أصوله تعود إلى الأناضول. وكان من كبار القادة العسكريين في تونس خلال فترة حساسة من تاريخ البلاد، خاصة عند اندلاع ثورة 1816 في تونس التي قادها بعض الجنود الأتراك في محاولة لانتزاع الحكم من البايات الحسينيين.
وأضاف أن أحمد آغا كان له دور بارز في إفشال تلك المحاولة بعد أن هُزم قائدها دالي باشا ما مكّن من إعادة السلطة إلى الباي. وعلى إثر ذلك قلّده محمود باي في اليوم ذاته منصب "باش حانبة" قبل أن يتم تعيينه لاحقا دايا على مدينة تونس. وأشار الدولاتلي إلى أن منصب "الداي – الدولاتلي" اكتسب خلال العهد الحسيني أهمية خاصة، إذ أصبح من أبرز المسؤولين عن الأمن في المدينة حيث كان يشرف في مطلع القرن 19 على نحو 50 "حانبة" و55 "قبطجي" وهم من عناصر القوة الأمنية آنذاك.
ويوضح أن هذه الوظيفة عرفت لاحقا تقلصا في صلاحياتها لتصبح أقرب إلى منصب محافظ المدينة والمشرف على أمنها. وقد كان الداي، وفق هذا الدور، مسؤولا عن الإشراف على شرطة المدينة والنظر في النوازل وإصدار الأحكام ما جعل مقره يجمع بين وظائف السكن والإدارة والقضاء في آن واحد. ولهذا السبب كان مقر الدولاتلي في المدينة العتيقة عبارة عن مجمع معماري متكامل يعرف بـ "دريبة الدولاتلي". ويقع هذا المجمع في نهج سيدي بن عروس، وهو يتألف من قسمين أساسيين هما "السرايا" أي القصر الذي كان يقيم فيه الدولاتلي، و"الدريبة" التي كانت تضم المحكمة والسجن. وبذلك جمع هذا المكان بين السكن وممارسة السلطة داخل المدينة ومرافق العدالة والاحتجاز.
موقع استراتيجي بالقرب من دائرة الحكم
ويؤكد الباحث الفرنسي المتخصص في العمارة "جاك ريفو" في كتابه المرجعي "Palais et demeures de Tunis XVIIIe et XIXe siècles" (قصور وديار مدينة تونس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) الصادر سنة 1971، في دراسته حول القصور التونسية أن الاسم الذي احتفظ به القصر يدل بوضوح على أنه كان مقر إقامة شخصية تركية بارزة في العاصمة. ويشير "ريفو" إلى أن الدولاتلي كان في الأصل يشغل منصب الداي أي الحاكم العسكري الذي تقلصت صلاحياته تدريجيا عبر الزمن لتقتصر أساسا على الإشراف على مدينة تونس.ويرجح الباحث الفرنسي أن القصر شُيّد في منتصف القرن 17 حين خصصت "دريبة" مرتبطة بقصر خاص في نهج سيدي بن عروس لمقر هذا المسؤول الذي كان مكلفا أساسا بحماية المدينة العتيقة والإشراف على أمنها. ولم يكن اختيار موقع القصر اعتباطيا، إذ بُني في منطقة مرتفعة نسبيا من المدينة العتيقة وعلى مقربة من القصبة التي كانت تمثل مركز الحكم في تونس.
ويبيّن "ريفو" أن هذه المنطقة كانت منذ زمن بعيد فضاء مفضلا لإقامة المؤسسات السياسية والدينية الكبرى، وهو ما يفسر وجود أهم معالم المدينة في محيطها مثل الجامع الأعظم وهي الصفة التي تطلق على جامع الزيتونة المعمور. كما كانت المنطقة نفسها مركزا للحياة الاقتصادية والحرفية حيث تنتشر الأسواق التقليدية التي كانت تشكل القلب النابض للنشاط التجاري في العاصمة.
وقد مثّل نهج سيدي بن عروس في تلك الفترة أحد شوارع الأرستقراطية في تونس، إذ كانت تصطف على جانبيْه قصور كبار رجال الدولة والضباط الأتراك والعلماء ورجال الدين. ويشير الدكتور عبد العزيز الدولاتلي، وهو الذي اشتغل كثيرا على معالم مدينة تونس العتيقة وأبوابها، إلى أن معظم هذه القصور شُيّدت خلال القرن 17 في عهد البايات المراديين حين شهدت المدينة العتيقة توسعا عمرانيا ملحوظا، مضيفا في هذا السياق أن دار الدولاتلي كانت تمثل بداية حي سكني جديد خاص بالنخب السياسية والاجتماعية في العاصمة.
الطراز المعماري
ويبرز القصر منذ مدخله الأول بعناصر معمارية توحي بأهميته السياسية في ذلك الزمن. فقد وصف "جاك ريفو" المدخل الرئيسي بأنه "بوابة ضخمة مؤطرة بالحجارة تعلوها قنطرة تعبر الشارع مرتكزة على أعمدة قوية تحمل أقواسا مرتفعة". وكانت هذه البوابة تغلق مدخلا خاصا يقود إلى "الدريبة" وهي زقاق شبه خاص يؤدي إلى القصر وإلى مقر المحكمة والسجن. كما كان هذا الممر محميا بباب ثقيل في الجهة المقابلة، في إشارة إلى الطابع الأمني للمكان (يجمع بين وظائف السكن والحكم والاحتجاز).أما القسم السكني من القصر المعروف بالسرايا، فقد شُيّد وفق النمط التقليدي للقصور التونسية. ويبدأ الفضاء بمدخل منكسر يعرف بالسقيفة، يؤدي إلى فناء داخلي واسع تحيط به أروقة تقوم على أعمدة رخامية. ويُعد هذا الفناء قلب الدار ومركز توزيع الغرف والمرافق. ويتميز الفناء في دار الدولاتلي بوجود ثلاثة أروقة فقط، بينما يتألف الضلع الرابع من واجهة حجرية متقنة البناء وهو تصميم يميّز عددا من القصور التونسية التي تعود إلى الفترة نفسها.
ويغلب على مواد بناء هذا القصر، الحجر الكلسي والرخام حيث استخدم الرخام في الأعمدة وإطارات الأبواب والنوافذ في القاعات الرئيسية. كما تتميز تيجان الأعمدة بتنوعها، إذ توجد بينها نماذج ذات طابع أندلسي مغاربي إلى جانب تيجان متأثرة بالفن الإيطالي. ويعكس هذا التنوع المعماري التلاقح الثقافي والحضاري المتوسطي الذي طبع العمارة التونسية في العهد العثماني.
ورغم طابع البناء الذي يكسوه استعمال الحجر والرخام، فإن القصر لا يخلو من عناصر زخرفية تضفي عليه قدرا من البهاء والجمال. فقد زُينت بعض جدرانه ببلاطات خزفية من صناعة "القلالين" بألوان زاهية كما تنتشر في فضاءاته أقواس منكسرة وزخارف ذات تأثير تركي واضح المعالم.
ويضم القصر كذلك قاعة استقبال فخمة كانت تستخدم لاستقبال الضيوف وعقد المجالس الرسمية. وقد صُممت هذه القاعة وفق المخطط التقليدي المعروف في البيوت التونسية حيث يتوسطها فضاء رئيسي تحيط به محاريب جانبية مخصصة للجلوس. وكانت هذه القاعة مزينة في الأصل بزخارف جصية وخزفية وسقوف مدهونة، غير أن كثيرا من هذه العناصر اختفى مع مرور الزمن، وفق الدكتور عبد العزيز الدولاتلي.
وإلى جانب فضاءات السكن والاستقبال، كان القصر يضم مرافق أخرى مرتبطة بالحياة اليومية مثل المطبخ والمخازن والحمام، إلى جانب بئر وصهريج لتجميع المياه. كما كانت هناك مرافق خاصة بالخدم وهو ما يعكس حجم القصر ومكانة ساكنيه داخل المجتمع. غير أن الجانب الأكثر خصوصية في دار الدولاتلي، بحسب ما لاحظ "جاك ريفو"، يتمثل في الدريبة التي كانت تضم المحكمة والسجن. وقد بُنيت الزنزانات في الطابق السفلي حيث كانت تتوزع حول ممرات ضيقة ذات سقوف مقببة (قبّة) تسمح بدخول قليل من الضوء والهواء. أما في الطابق العلوي فكانت توجد قاعة العدالة التي يعقد فيها الدولاتلي جلسات الحكم.
من مقر للحكم إلى فضاء للثقافة
ويشير الباحث الفرنسي إلى أن تصميم هذه القاعة يسمح بربط مباشر بين فضاء المحكمة والسجن، إذ كان السجناء يُقادون من الزنزانات عبر ممر خاص إلى الفناء الداخلي قبل مثولهم أمام المحكمة، مضيفا أن القاعة قد صُمّمت "بحيث يجلس الدولاتلي في موضع مرتفع داخل فضاء مطل على الفناء وهو ما يمنحه موقعا رمزيا يعكس سلطة القضاء والحكم". ويرسم "جاك ريفو" في مؤلفه صورة تصف ما كانت عليه تلك الجلسات حيث كان الدولاتلي يجلس في القاعة محاطا بالزخارف الخزفية، بينما يُقاد المتهمون أمامه للحكم في قضاياهم. ومن نوافذ القاعة كان يتسنى له مشاهدة أجزاء من المدينة العتيقة ومآذنها.ومع مرور الزمن وتغير أنظمة الحكم فقد القصر وظيفته السياسية والقضائية، وأصبح هذا المبنى مع بداية القرن 20 يعرف تحولات جديدة في وظائفه، إلى أن أصبح منذ الستينات المقر الرئيسي لجمعية الرشيدية (زمن مصطفى الكعاك ثاني رئيس للرشيدية 1941-1965) التي تأسست سنة 1934 للحفاظ على الموسيقى التونسية التقليدية وتوثيقها. ومنذ ذلك الحين تحولت دار الدولاتلي من مقر للحكم والعدالة في العهد العثماني إلى فضاء ثقافي يحتضن ذاكرة الموسيقى التونسية وتقام في رحابه الأنشطة الفنية والبحثية المرتبطة بالتراث وعروض الموسيقى التونسية الأصيلة. وقد تمّ تصنيف الدار معلما تاريخيا يوم 19 أكتوبر سنة 1992 وخضعت أواخر التسعينات إلى أشغال تهيئة وترميم كما ستخضع وفق الرئيس الحالي لجمعية المعهد الرشيدي، أنيس الصغير، إلى عمليات ترميم أخرى بهدف الحفاظ على أصالة معمارها ورونقها، ولتظل أحد قصور تونس التاريخية الشاهدة على عراقة بلادنا وثراء مخزونها التراثي.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 325622