JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

حين ينطفئ الضوء... ويُختبر معنى الاستخلاف

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a60a0e9bc9eb4.60525956_feikhgopnqjml.jpg>



وسام الأطرش


ليست أزمة الكهرباء، في حقيقتها، أزمة كهرباء. فالأسلاك لا تنقطع من تلقاء نفسها، والمحطات لا تتوقف لأنها قررت أن تتوقف، والشبكات لا تنهار لأن موجة حر مرت من هنا. تلك كلها أسباب مباشرة، لكنها ليست الأسباب الحقيقية. إنها تشبه الحمى في الجسد؛ لا يفسرها ارتفاع الحرارة، بل المرض الذي أفضى إليها. ولهذا، فإن أول خطأ نقع فيه هو أن نتعامل مع انقطاع الكهرباء بوصفه حادثًا تقنيًا معزولًا، بينما هو في الحقيقة لحظة انكشاف لبنية كاملة.

قيل إن منشأة سيدي عقبة في الجزائر تعرضت لعطب تقني، وإن هذا العطب أثر في الإمدادات الكهربائية الموجهة إلى تونس. قد يكون ذلك صحيحًا، بل لا موجب لإنكاره. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل وقع العطب؟ السؤال هو: لماذا كان لعطب واحد كل هذا الأثر؟




فهناك فرق كبير بين السبب الذي يُشعل الأزمة، والسبب الذي يجعل الأزمة ممكنة أصلًا. والشرارة ليست هي الحريق.

في العلوم الهندسية، لا تُقاس قوة أي منظومة بما تؤديه في الظروف الطبيعية، وإنما بما تتحمله حين تخرج الظروف عن طبيعتها.

الجسر الحقيقي ليس الذي يحمل السيارات في الأيام العادية، وإنما الذي يبقى قائمًا عندما تتضاعف الأحمال. والسفينة ليست التي تعبر البحر الهادئ، وإنما التي تصمد حين يهيج الموج. وكذلك شبكات الكهرباء.

فكل منظومة كهربائية محترمة تُبنى على فرضية بسيطة: أن العطل سيقع حتمًا.

ولهذا تُنشأ الاحتياطات، وتُوزع مصادر الإنتاج، وتُضاعف خطوط النقل، وتُحفظ قدرات احتياطية لا تُستخدم إلا عندما يحدث ما لا يُتوقع.

إن فلسفة إدارة الطاقة لا تقوم على منع الأعطال، فهذا مستحيل، وإنما على منع الأعطال من أن تتحول إلى كوارث. ومن هنا تبدأ الأسئلة. فإذا كانت الكهرباء المستوردة من الجزائر تمثل نسبة محدودة من الاستهلاك الوطني، فلماذا أدى اضطرابها إلى انقطاعات امتدت بهذا الاتساع؟ هل كانت الشبكة تعمل أصلًا عند الحد الأقصى؟ هل كان الاحتياطي التشغيلي قد استُهلك؟ هل كانت جميع وحدات الإنتاج المحلية متاحة بالفعل، أم أن بعضها كان خارج الخدمة، فجاء العطب الخارجي ليكشف هشاشة كانت موجودة قبل أن يقع؟

لسنا نجزم بإجابة، لكن مجرد طرح هذه الأسئلة هو جزء من التفكير العلمي، لا من المعارضة السياسية.

لقد اعتدنا، في خطابنا العام، أن نفسر كل أزمة بسبب منفرد.

إذا تعطلت المياه، فالسبب كسر في قناة.

وإذا انقطعت الكهرباء، فالسبب عطب في محطة.

وإذا تعطلت حركة القطارات، فالسبب خلل فني.

لكن هذا التفكير لا يفسر شيئًا. إنه يصف اللحظة الأخيرة فقط. أما التاريخ الحقيقي للأزمة، فقد بدأ قبل ذلك بسنوات. بدأ عندما تحولت الصيانة إلى بند قابل للتأجيل، وعندما صار الاستثمار في الصناعات المحلية يُؤجل لأن الأولوية لما يطلبه الأجنبي.

وعندما أصبح الاحتياطي ترفًا، لا ضرورة. وعندما غلب منطق إدارة اليوم على منطق بناء الغد.

الأزمات لا تُصنع يوم وقوعها. إنها تُصنع بصمت، ثم تظهر فجأة بعد مراكمة الأخطاء.

إن أخطر ما كشفته هذه الأزمة ليس انقطاع التيار، وإنما انقطاع القدرة على امتصاص الصدمات. وهذا فرق هائل. فالمنظومات القوية ليست تلك التي لا تقع فيها الأعطال، وإنما تلك التي لا تتحول فيها الأعطال إلى أزمات كبرى تعم أنحاء البلاد. ولهذا فإن الدول المتقدمة لا تُفاخر بعدد محطاتها، بل بما يسمى "المرونة التشغيلية". أي: كم خطأ تستطيع المنظومة أن تتحمله قبل أن يشعر الناس بشيء؟

أما عندما يصبح كل عطل أزمة، وكل موجة حر حالة استنفار، وكل نقص في الإمدادات تهديدًا للحياة اليومية، فإن المشكلة لم تعد في الحدث، بل في البنية التي تستقبله.

إن الكهرباء هنا ليست سوى مثال. فالأمر نفسه يمكن أن يقال عن الماء، وعن النقل، وعن الصحة، وعن التعليم وعن الاقتصاد. كلها منظومات تبدو مستقرة، لكنها في الحقيقة مستقرة لأنها لم تُختبر بعد. وحين يأتي الاختبار، ينكشف الفرق بين الاستقرار الحقيقي، والاستقرار الوهمي.

هناك أنظمة تشبه البناء الحجري؛ قد تبدو صلبة، لكنها تتشقق عند أول زلزال. وهناك أنظمة تشبه الكائن الحي؛ قد تتعرض للجروح، لكنها تلتئم وتواصل الحياة. المشكلة ليست في أن تقع الأعطال. المشكلة أن تصبح الأعطال أكبر من قدرة الدولة على احتوائها. ولعل هذا هو أخطر ما في المشهد التونسي اليوم.

لسنا أمام دولة تعاني من كثرة الأزمات فحسب، بل أمام دولة تقلصت فيها هوامش الأمان إلى الحد الذي صار معه أي خلل، مهما بدا صغيرًا، قادرًا على إنتاج أزمة عامة.

وهنا لا يعود السؤال: لماذا انقطعت الكهرباء أو لماذا انقطع الماء؟ بل يصبح السؤال: كم قطاعًا آخر ينتظر عطبًا صغيرًا حتى ينكشف أنه كان يعمل، هو أيضًا، عند حافة الهاوية؟

إن الضوء الذي انطفأ لساعات سيعود. فالأسلاك ستُصلح، والمحطات ستستأنف العمل، والناس سيعودون إلى حياتهم اليومية. لكن السؤال الأعمق ليس كيف نعيد التيار الكهربائي، بل كيف نعيد التيار الحضاري الذي يجعل المجتمع قادرًا على مواجهة الصدمات قبل وقوعها.

فالأمم لا تُقاس بعدد محطات التوليد التي تملكها، ولا بطول شبكاتها، ولا بحجم ما تستورده من الطاقة، بل بقدرتها على بناء منظومات متماسكة: منظومات تقوم على المسؤولية، وعلى الثقة، وعلى رؤية طويلة المدى، وعلى اعتبار الإنسان غاية البناء الحضاري لا مجرد رقم في معادلة اقتصادية أو انتخابية سرعان ما تداس كرامته بالأقدام.

وهنا يظهر السؤال الحضاري الذي يتجاوز حدود الأزمة التونسية: هل يكفي أن نستبدل تقنيات بأخرى، وأن نستورد نماذج إدارية جديدة، وأن نعيد إنتاج الدولة الحديثة بأدوات أكثر كفاءة؟ أم أن الأزمة أعمق من ذلك، وأنها تكشف عن حاجة إلى تصور مختلف لعلاقة الإنسان بالسلطة، والمجتمع بالدولة، والاقتصاد بالقيم؟

إن تجربة "دولة الحداثة"، رغم ما تزعمه من إنجازات، حملت في داخلها نزعة متزايدة إلى اختزال الإنسان في دوره الوظيفي، واختزال المجتمع في مؤسسات بيروقراطية، واختزال التنمية في مؤشرات كمية. وعندما تضعف الروابط الأخلاقية والمعاني المشتركة، تصبح المؤسسات قوية في الشكل، لكنها هشة في الجوهر؛ كثيرة الهياكل، قليلة المناعة.

أما الرؤية الحضارية الإسلامية، في جوهرها، فلا تنطلق من سؤال: كيف ندير الأزمة بعد وقوعها؟ بل من سؤال سابق: كيف نبني مجتمعًا يقل فيه احتمال إنتاج الأزمة أصلًا؟

إنها رؤية تجعل العمران مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مشروعًا ماديًا. فالإنسان ليس مستهلكًا للطاقة فقط، بل مستخلفًا في الأرض، مسؤولًا عن حسن التدبير، وعن صيانة الموارد، وعن إقامة العدل بين الأجيال. والدولة ليست مجرد جهاز إداري ضخم، بل أمانة وظيفتها تحقيق المصلحة العامة وحفظ النظام العام وتمكين المجتمع من القيام بدوره.

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)

في هذا التصور، لا تكون البنية التحتية مجرد إسمنت وحديد وأسلاك، بل تصبح تعبيرًا عن قيمة أعمق: قيمة الإتقان. ولا تكون الصيانة مجرد إجراء تقني، بل صورة من صور الوفاء بالمسؤولية. ولا يكون التخطيط للمستقبل ترفًا سياسيًا، بل جزءًا من معنى الاستخلاف ذاته.

المشكلة إذن ليست فقط أن محطة كهرباء تعطلت، بل أن منظومة كاملة قد تفقد قدرتها على التوقع والاستعداد. وعندما تبلغ المنظومات هذه الدرجة من الهشاشة، فإن المشكلة لا تكون في السيل الذي بلغ الزُّبى، بل في الأرض التي فقدت قدرتها على امتصاص الماء ومقاومة الفيضان.

إن التحدي الحقيقي ليس إعادة إشعال المصابيح بعد انطفائها، بل بناء مجتمع لا ينطفئ نوره الداخلي كلما انطفأ مصدر خارجي. فالأمم التي تستمد قوتها من مجرد الأدوات تنهار عندما تتعطل الأدوات، أما الأمم التي تستمد قوتها من منظومة قيم ومعانٍ ومؤسسات حية، فإنها تستطيع أن تحول العطب إلى درس، والأزمة إلى فرصة، والانقطاع إلى بداية مراجعة عميقة.

ولعل أول خطوة في تجاوز أزماتنا ليست البحث عن مولد كهربائي جديد، بل البحث عن مولد حضاري يعيد وصل الإنسان بالمسؤولية، والدولة بالغاية، والعمران بالقيمة، والعدل أساس العمران كما قال العلامة ابن خلدون رحمه الله.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 333297

babnet