مصيبة المثقفين التونسيين... فرَنْكُ أَرَابْ
بقلم نور الدين بن منصور
في رأيي، تنبع جميع مشاكل مجتمعنا التونسي أساسًا من حقيقتين: الأولى هي أن النخبة التونسية منفصلة تمامًا عن عامة الشعب، فكل فرد يعيش في عالمه الخاص، ويكاد ينعدم التواصل الفكري بينهما. تكمن المشكلة بالدرجة الأولى في النخبة المُتعصبة للثقافة الفرنسية، لا في النخبة الناطقة بها، والمسؤولة عن تدمير ثقافة تونسية بأكملها شكلت تاريخ تونس. ينظر هؤلاء المُتعصبون للثقافة الفرنسية إلى الثقافة العربية التونسية بتعالٍ وكبرياء وحتى ازدراء. من المؤكد أن أغلبية هؤلاء لا يرغبون في التحدث بالعربية لأنها، في نظرهم، لغة لا تتناسب مع عقليتهم، بل ويعتقدون أنها تعيق تحديث البلاد. أما الحقيقة الثانية فتكمن في أن تونس لا يمكنها التقدم علميًا إلا باستخدام لغتها العربية، إلى جانب إتقان لغات أخرى، ومن هنا تأتي الحاجة إلى تعريب حقيقي للتعليم في تونس حيث يبتدأ هذا التوجه من الصغر ومن المدارس الابتدائية.
فجميع الدول الصناعية لم تتقدم علميًا إلا باستخدام لغاتها. أيّ من العلماء التونسيين المُحبّين للثقافة الفرنسية تركوا بصمتهم في التاريخ التونسي؟ يهيمن هؤلاء على الإدارات، وأصبحوا جماعات ضغط تُعرقل مسيرة جميع التونسيين الآخرين الذين درسوا خارج المدارس الفرنسية.
في جميع أنحاء العالم، الدول التي حققت تقدماً وما زالت تحققه هي تلك التي تستخدم لغاتها الأم. من المؤكد أن الكوريين واليابانيين يستخدمون لغاتهم حتى في المجالات العلمية، ويكفي إلقاء نظرة على منشوراتهم البحثية الأكاديمية للتأكد من ذلك. استخدام اللغة العربية لا يعني التخلي عن اللغات الأخرى؛ بل على العكس، إتقان هذه اللغات يُعدّ إثراءً. لنُجرِ حساباً بسيطاً: كم عدد المشاريع البحثية من الجامعات التونسية التي وُظّفت في الصناعة؟ وذلك على الرغم من كتابتها باللغة الفرنسية. لا يُمكن للمرء أن يُفكّر بشكل صحيح إلا بلغته الأم. تُقاس قيمة الجامعة بعدد مشاريعها البحثية التطبيقية. أيّ من العلماء التونسيين في العلوم الدقيقة ساهم في تقدّم الصناعة التونسية؟
يتحقق تحديث البلاد من خلال التمسك بمبادئها المختلفة مع الانفتاح على الآخرين. لماذا يُدافع الفرنسيون عن لغاتهم ضد اللغة الإنجليزية؟ دعوني أضرب لكم مثالاً: خلال خطاب أو مقابلة (في ستراسبورغ)، قال الجنرال ديغول: "علّموهم (سكان شمال أفريقيا) اللغة الفرنسية حتى يشتروا الفرنسية". كانت كوريا الجنوبية، عام 1956، في نفس مستوى تونس، وعلينا أيضاً أن ننظر إلى الصين، التي تستخدم لغتها الخاصة؛ أين تقف الآن؟ ليس هذا تعصباً قومياً، بل وطنية. للأسف، نحن في مرحلة فرنسية عربية شوّهت الروح التونسية، حيث لا يسعى جزء كبير من مثقفينا إلا إلى السهل والمتاح. بدون السعي للتفوق على الآخرين، لن نتقدم أبداً. صحيح أن تونس حققت تقدماً كبيراً، لكن الأهم هو التحول في العقلية التونسية، التي ينبغي أن تتبنى حقائق أخرى للتحديث، ألا وهي الوطنية الاقتصادية، وتجاوز حدود الممكن في مختلف المجالات، والمساهمة بفعالية في التنمية الحقيقية للبلاد. لم تعد اللغة الفرنسية، مقارنةً باللغة الإنجليزية، تؤدي الدور الذي كانت تؤديه سابقاً. حتى الفرنسيون يرسلون أبناءهم للدراسة في أمريكا. دعونا نأمل أن نرى يوماً ما محباً للثقافة الفرنسية على مستوى ابن خلدون أو ابن الجزار وغيرهم من العلماء الذين تركوا بصمتهم في التاريخ التونسي.
لا يمكن تحديث البلاد إلا بالوطنية العلمية، لا بالأفكار المبتذلة المستوردة من الخارج من قبل محبي الفركوفنية. كثير من التونسيين يتقنون أكثر من لغتين، لكنهم شديدو التمسك بلغتهم الأم لإدراكهم تأثير اللغة على التطور الفكري للفرد. زُر ألمانيا أو اليابان، وستدرك أهمية اللغة. المشكلة ليست في اللغة العربية نفسها، بل فينا نحن (إنها حالة فرنسية عربية). نحتاج إلى تعريب الكتب العلمية المكتوبة بالإنجليزية بشكل أكبر، كما يفعل الفرنسيون الذين يترجمونها أيضاً. لذا، بدلاً من الاعتماد على لغة تستمد معارفها من الإنجليزية المترجمة إلى الفرنسية، سيكون من الأفضل التوجه مباشرة إلى المصدر، أي اللغة الإنجليزية. وبالتالي، فإن اللغة الفرنسية ليست في وضع أفضل من العربية. الميزة الوحيدة هي أن الفرنسيين يكثفون جهودهم في الترجمة من الإنجليزية (الإنجليزية الأمريكية) يوماً بعد يوم. الأمر أشبه بإرسال النخبة التونسية أبناءها للدراسة في فرنسا، وإرسال النخبة الفرنسية أبناءها للدراسة في أمريكا. لكل بلد لهجة أو لهجات، بل ولكل منطقة لهجتها الخاصة. أعتقد أن محمود المسعدي أو أبو القاسم الشابي أو ابن الجزار لم يكتبوا باللهجة التونسية. وفيكتور هوغو أو غيره من الكتاب الفرنسيين لم يكتبوا بلغة أخرى خاصة. هذه الحجج واهية. لكل أمة لغتها. لا أظن أن الصحف تُنشر باللهجة التونسية، أليس كذلك؟ بل إن البعض يدعو إلى إقرار اللغة الأمازيغية، مع العلم أنها تحولت منذ وصول القرطاجيين إلى لهجة قرطاجية تُسمى التفانك (إذا حُذف حرف التاء، تصبح فناك أو فينيقيا). لم يعد استخدام الفرنسية العربية مقبولاً أي فرنكراب. حاولت فرنسا تقويض اللغة العربية، لكنها فشلت. لقد تغير الزمن؛ حتى اللغة الفرنسية تواجه الآن تحديات. أعرف تونسيين يتقنون أكثر من خمس لغات أجنبية، لكنهم فخورون بالعربية لأنهم يدركون أهميتها. إن تعلم اللغات الأجنبية مكسبٌ للتطور العلمي لأي بلد، لكن يجب أن يكون كل شيء متناغماً مع ثقافته.
في رأيي، تنبع جميع مشاكل مجتمعنا التونسي أساسًا من حقيقتين: الأولى هي أن النخبة التونسية منفصلة تمامًا عن عامة الشعب، فكل فرد يعيش في عالمه الخاص، ويكاد ينعدم التواصل الفكري بينهما. تكمن المشكلة بالدرجة الأولى في النخبة المُتعصبة للثقافة الفرنسية، لا في النخبة الناطقة بها، والمسؤولة عن تدمير ثقافة تونسية بأكملها شكلت تاريخ تونس. ينظر هؤلاء المُتعصبون للثقافة الفرنسية إلى الثقافة العربية التونسية بتعالٍ وكبرياء وحتى ازدراء. من المؤكد أن أغلبية هؤلاء لا يرغبون في التحدث بالعربية لأنها، في نظرهم، لغة لا تتناسب مع عقليتهم، بل ويعتقدون أنها تعيق تحديث البلاد. أما الحقيقة الثانية فتكمن في أن تونس لا يمكنها التقدم علميًا إلا باستخدام لغتها العربية، إلى جانب إتقان لغات أخرى، ومن هنا تأتي الحاجة إلى تعريب حقيقي للتعليم في تونس حيث يبتدأ هذا التوجه من الصغر ومن المدارس الابتدائية.
فجميع الدول الصناعية لم تتقدم علميًا إلا باستخدام لغاتها. أيّ من العلماء التونسيين المُحبّين للثقافة الفرنسية تركوا بصمتهم في التاريخ التونسي؟ يهيمن هؤلاء على الإدارات، وأصبحوا جماعات ضغط تُعرقل مسيرة جميع التونسيين الآخرين الذين درسوا خارج المدارس الفرنسية.
في جميع أنحاء العالم، الدول التي حققت تقدماً وما زالت تحققه هي تلك التي تستخدم لغاتها الأم. من المؤكد أن الكوريين واليابانيين يستخدمون لغاتهم حتى في المجالات العلمية، ويكفي إلقاء نظرة على منشوراتهم البحثية الأكاديمية للتأكد من ذلك. استخدام اللغة العربية لا يعني التخلي عن اللغات الأخرى؛ بل على العكس، إتقان هذه اللغات يُعدّ إثراءً. لنُجرِ حساباً بسيطاً: كم عدد المشاريع البحثية من الجامعات التونسية التي وُظّفت في الصناعة؟ وذلك على الرغم من كتابتها باللغة الفرنسية. لا يُمكن للمرء أن يُفكّر بشكل صحيح إلا بلغته الأم. تُقاس قيمة الجامعة بعدد مشاريعها البحثية التطبيقية. أيّ من العلماء التونسيين في العلوم الدقيقة ساهم في تقدّم الصناعة التونسية؟
يتحقق تحديث البلاد من خلال التمسك بمبادئها المختلفة مع الانفتاح على الآخرين. لماذا يُدافع الفرنسيون عن لغاتهم ضد اللغة الإنجليزية؟ دعوني أضرب لكم مثالاً: خلال خطاب أو مقابلة (في ستراسبورغ)، قال الجنرال ديغول: "علّموهم (سكان شمال أفريقيا) اللغة الفرنسية حتى يشتروا الفرنسية". كانت كوريا الجنوبية، عام 1956، في نفس مستوى تونس، وعلينا أيضاً أن ننظر إلى الصين، التي تستخدم لغتها الخاصة؛ أين تقف الآن؟ ليس هذا تعصباً قومياً، بل وطنية. للأسف، نحن في مرحلة فرنسية عربية شوّهت الروح التونسية، حيث لا يسعى جزء كبير من مثقفينا إلا إلى السهل والمتاح. بدون السعي للتفوق على الآخرين، لن نتقدم أبداً. صحيح أن تونس حققت تقدماً كبيراً، لكن الأهم هو التحول في العقلية التونسية، التي ينبغي أن تتبنى حقائق أخرى للتحديث، ألا وهي الوطنية الاقتصادية، وتجاوز حدود الممكن في مختلف المجالات، والمساهمة بفعالية في التنمية الحقيقية للبلاد. لم تعد اللغة الفرنسية، مقارنةً باللغة الإنجليزية، تؤدي الدور الذي كانت تؤديه سابقاً. حتى الفرنسيون يرسلون أبناءهم للدراسة في أمريكا. دعونا نأمل أن نرى يوماً ما محباً للثقافة الفرنسية على مستوى ابن خلدون أو ابن الجزار وغيرهم من العلماء الذين تركوا بصمتهم في التاريخ التونسي.
لا يمكن تحديث البلاد إلا بالوطنية العلمية، لا بالأفكار المبتذلة المستوردة من الخارج من قبل محبي الفركوفنية. كثير من التونسيين يتقنون أكثر من لغتين، لكنهم شديدو التمسك بلغتهم الأم لإدراكهم تأثير اللغة على التطور الفكري للفرد. زُر ألمانيا أو اليابان، وستدرك أهمية اللغة. المشكلة ليست في اللغة العربية نفسها، بل فينا نحن (إنها حالة فرنسية عربية). نحتاج إلى تعريب الكتب العلمية المكتوبة بالإنجليزية بشكل أكبر، كما يفعل الفرنسيون الذين يترجمونها أيضاً. لذا، بدلاً من الاعتماد على لغة تستمد معارفها من الإنجليزية المترجمة إلى الفرنسية، سيكون من الأفضل التوجه مباشرة إلى المصدر، أي اللغة الإنجليزية. وبالتالي، فإن اللغة الفرنسية ليست في وضع أفضل من العربية. الميزة الوحيدة هي أن الفرنسيين يكثفون جهودهم في الترجمة من الإنجليزية (الإنجليزية الأمريكية) يوماً بعد يوم. الأمر أشبه بإرسال النخبة التونسية أبناءها للدراسة في فرنسا، وإرسال النخبة الفرنسية أبناءها للدراسة في أمريكا. لكل بلد لهجة أو لهجات، بل ولكل منطقة لهجتها الخاصة. أعتقد أن محمود المسعدي أو أبو القاسم الشابي أو ابن الجزار لم يكتبوا باللهجة التونسية. وفيكتور هوغو أو غيره من الكتاب الفرنسيين لم يكتبوا بلغة أخرى خاصة. هذه الحجج واهية. لكل أمة لغتها. لا أظن أن الصحف تُنشر باللهجة التونسية، أليس كذلك؟ بل إن البعض يدعو إلى إقرار اللغة الأمازيغية، مع العلم أنها تحولت منذ وصول القرطاجيين إلى لهجة قرطاجية تُسمى التفانك (إذا حُذف حرف التاء، تصبح فناك أو فينيقيا). لم يعد استخدام الفرنسية العربية مقبولاً أي فرنكراب. حاولت فرنسا تقويض اللغة العربية، لكنها فشلت. لقد تغير الزمن؛ حتى اللغة الفرنسية تواجه الآن تحديات. أعرف تونسيين يتقنون أكثر من خمس لغات أجنبية، لكنهم فخورون بالعربية لأنهم يدركون أهميتها. إن تعلم اللغات الأجنبية مكسبٌ للتطور العلمي لأي بلد، لكن يجب أن يكون كل شيء متناغماً مع ثقافته.









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 325247