Bookmark article
Publié le Mardi 09 Juin 2026 - 11:38
قراءة: 3 د, 45 ث
وات -
إذا كان لكل منتخب لاعب يمثل نقطة الارتكاز التي تبنى حولها المنظومة الجماعية، فإن 14 لاعبا تونسيا من حاملي الجنسية المزدوجة اختاروا أن يجعلوا من قميص "نسور قرطاج" عنوانا لطموحاتهم في كأس العالم 2026 المقررة في كندا والولايات المتحدة والمكسيك من 11 جوان الجاري إلى 19 جويلية المقبل.
بعضهم ولد في فرنسا وآخرون في ألمانيا وإسبانيا والسويد والدنمارك والنرويج وكندا، لكنهم جميعا يشكلون اليوم جزءا من مشروع المنتخب التونسي الطامح إلى تحقيق مشاركة استثنائية في المونديال تتوج ببلوغ تاريخي إلى الدور الثاني.
وتتوزع هذه الكوكبة من اللاعبين على مختلف الخطوط. ففي الدفاع، تقفز إلى الواجهة أسماء مثل ديلان برون ومنتصر الطالبي ويان فاليري الذين تدرجوا في مدارس التكوين الفرنسية إلى جانب عمر الرقيق ومعتز النفاتي اللذين شقا طريقهما الكروي في هولندا والسويد على التوالي.
وفي وسط الميدان، يعول المنتخب التونسي على مجموعة من اللاعبين الذين صقلوا مواهبهم أيضا في الملاعب الأوروبية يتقدمهم إلياس السخيري وحنبعل المجبري وإسماعيل الغربي من أبناء الجالية التونسية في فرنسا إضافة إلى أنيس بن سليمان الذي نشأ في الدنمارك وراني خضيرة المتكون في ألمانيا.
أما في الخط الأمامي، فيبرز إلياس العاشوري الذي ترعرع في فرنسا وإلياس سعد القادم من ألمانيا وسيباستيان تونكتي وريان اللومي بهويتهما الكروية النرويجية والكندية.
جيل بتكوين أوروبي متنوع يعيد تعريف مفهوم الانتماء الرياضي
وإذ قد يمثل هذا التنوع في التكوين عاملا مهما في تطوير الأداء باعتباره يجلب خبرات تكتيكية مختلفة بما من شأنه أن يمنح الإطار الفني في المونديال خيارات أوسع لمواجهة منتخبات عتيدة ضمن المجموعة السادسة في قيمة هولندا والسويد واليابان، فإن دلالات هذه الظاهرة لا تقف عند حدودها الرياضية فحسب، بل تمتد لتطرح أبعادا أعمق تتصل بمفهوم الانتماء والتحولات التي يشهدها داخل المنظومة الكروية التونسية.
إن اعتماد المنتخبات الوطنية على لاعبين من أبناء الجاليات المهاجرة يعكس من منظور سوسيولوجي وفق أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس محمد الجويلي تحولا بنيويا في مفهوم الانتماء الرياضي في ظل عالم أصبحت فيه الهوية أكثر انفتاحا مما كانت عليه في السابق.
ويعتبر الجويلي أن المنتخب يمثل في المخيال الجماعي اختزالا رمزيا للوطن إذ يمثل الـ11 لاعبا في نظر شريحة واسعة من الجماهير تجسيدا للهوية الوطنية لذلك كان التصور التقليدي لمفهوم الانتماء الرياضي يقوم على أن يكون اللاعب تونسيا "أبا عن جد" وأن يكون قد نشأ داخل البلاد ومر عبر مختلف منتخبات الأصناف الشابة، وفق رأيه.
ويضيف أن بروز بعض اللاعبين من أصحاب الجنسية المزدوجة الذين يحمل عدد منهم أسماء غربية ويتحدثون لغات أخرى غير العربية واللهجة التونسية أثار في البداية نوعا من الارتباك لدى جزء من الجماهير الرياضية ورسخ لديهم انطباعا بأن انتماء هؤلاء اللاعبين "غير مكتمل" أو "جزئي" على حد تعبيره.
كما أكد أن سياسة التفاوض التي رافقت استقطاب بعض لاعبي الجاليات بالخارج بما تضمنته من إملاءات وشروط لقبول حمل قميص المنتخب مست من "نقاوة" صورة انتمائهم لدى الجمهور خلافا للاعب المحلي الذي ينظر إلى تمثيله للوطن كواجب مقدس لا يقبل النقاش.
ويشير محمد الجويلي إلى أن ظاهرة التعويل على لاعبي المهجر بدأت في التشكل بالخصوص مع فترة تولي المدرب الفرنسي روجيه لومار الإشراف على المنتخب سنة 2002 حين شرع في استقدام لاعبين ينحدرون من عائلات تونسية يكون أحد والديهم أو كلاهما تونسي الجنسية.
وتجلى هذا التوجه بوضوح خلال نهائيات كأس الأمم الإفريقية 2004 إذ ساهمت الأسماء القادمة من المهجر آنذاك على غرار مهدي النفطي وسليم بن عاشور وعلاء الدين يحيى وعادل الشاذلي في تعزيز قوة الفريق وتوازنه بما كان له دور حاسم في التتويج باللقب القاري ليتواصل الاعتماد على هذه السياسة أيضا في مونديال 2006 بألمانيا بالتحاق عناصر أخرى مثل حامد النموشي ودافيد الجمالي وشوقي بن سعادة.
وأضحت بعد ذلك تجربة إدماج أبناء الجاليات التونسية بالخارج في صفوف المنتخب التونسي أكثر من مجرد خيار فني ظرفي، إذ تحولت إلى توجه ثابت وهو ما تجسد في مونديال 2018 بروسيا حيث ضمت القائمة عديد الأسماء على غرار معز حسن، ديلان برون، يوهان بن علوان، إلياس السخيري، سيف الدين الخاوي، وهبي الخزري ليتعزز هذا التمشي في مونديال 2022 بقطر بانضمام وجوه أخرى في مقدمتها محمد دراغر، منتصر الطالبي، عيسى العيدوني، حنبعل المجبري، نعيم السليتي وأنيس بن سليمان.
وأوضح الجويلي أن منطق الجدارة والتميز الرياضي فرض نفسه مع مرور الوقت وأسهم في تغيير هذه النظرة ليصبح مفهوم الوطن أقل ارتباطا بالحدود الجغرافية قائلا في هذا الصدد: "كلما أثبت اللاعب الناشئ في المهجر كفاءته وحرصه في الوقت نفسه على الدفاع عن ألوان المنتخب، حظي بقبول متنام من الجماهير، بل إن العديد من هؤلاء اللاعبين نجحوا بفضل ما أظهروه من حماس كبير في أن يصبحوا نجوما يحظون بإعجاب واسع بين الأنصار" مستشهدا في ذلك باللاعب حنبعل المجبري.
وبين منطق الاستحقاق الرياضي وإعادة تعريف مفاهيم الانتماء، يتطلع الجمهور الرياضي أن يشكل هذا المزيج بين العناصر المحلية وأبناء المهجر مفتاح العبور إلى الدور الثاني من المونديال لأول مرة في تاريخ كرة القدم التونسية.
Comments
1 de 1 commentaires pour l'article 330772